الرئيسية » مجتمع » ملاحات لصنع الملح

ملاحات لصنع الملح

في أي مدينة مغربية قديمة مثل «مراكش، والصويرة، وطنجة، وتطوان، وفاس، ومكناس وأكادير، والرباط، والدار البيضاء، والمحمدية، والجديدة، وسلا» وغيرها من المدن، لا بد أن تجد داخل أسوارها الحصينة حياً يطلق عليه «حي الملاح»، وغالبية هذه الأحياء تعمل حتى الآن، وتحتوي على أمهر الحرفيين في مختلف المجالات مثل «الخياطة، والحدادة وصناعة الأواني، وتشكيل المجوهرات، والمصنوعات الجلدية»، وغيرها من الحرف اليدوية، التي شكلت نقطة الانطلاق نحو نهضة المغرب منذ بدايات القرن الرابع عشر الميلادي، وحتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.

فقام التجار والصناع والحرفيون بإنشاء الحي التجاري بجوار «ملاحة لصنع الملح» ومخازن كانت تستخدم لتخزين الملح قبل أن تنقله القوافل إلى أوروبا، لهذا سمي الحي التجاري الصناعي بحي «الملاح»، وكان هدف السلطان المريني إنعاش خزينة الدولة من الصناعة والتجارة، وانطلقت النهضة في المغرب بتوسيع التجربة، في جميع المدن المغربية الأخرى، مثل «مكناس، ومراكش، والصويرة، والرباط، والدار البيضاء، وسلا»، وكما حدث تماماً في فاس حدث في جميع هذه المدن، واستطاع السلطان الاستفادة من خبرة اليهود في التجارة والصناعة آنذاك لأقصى درجة، ولأن أبرز التجار والصناع آنذاك كانوا يهوداً بمعاربة، فقد ارتبط اسم الحي باليهود، خاصة أنهم آنذاك كانوا يتمتعون بحماية السلطان نفسه.

مرحلة الازدهار

ويعتبر حي الملاح عبارة عن قلعة محصنة بأسوار تقع في قلب المدينة، ولأسواره الحصينة بابين يفتحا بالنهار ويغلقا أثناء الليل–حتى الآن-، وتوجد فيه أهم أسواق «المجوهرات، والنجارين، والإسكافيين، والخزافين، والنحاسين…»، واتخذ الملاح منذ البداية الطراز المعماري اليهودي. وكان حي المسلمين أو الميرينيين يضم أمهر صناع الفسيفساء والنافورات المائية الخاصة بالمنازل، وعمال وحرفيي البناء»، وكان التبادل التجاري أو التعاون الاقتصادي بين الأحياء سبباً في توسع المدن بسرعة وتطورها وازدهارها، صناعياً وتجارياً وزراعياً، وحالياً «سياحياً»، حتى تحولت أغلب هذه الأحياء كما هو الحال في «شفشاون، وطنجة، والمحمدية، والجديدة، والرباط، وسلا، وفاس، ومكناس، ومراكش» إلى مزارات سياحية يتوافد عليها ملايين السياح من كل العالم سنوياً.

 

ويتميز ملاح سلا بحفاظه على شكله وهويته منذ تأسيسيه عام 1808م وحتى اليوم، فقد أمر السلطان مولاي سليمان بن محمد، بإنشائه قرب باب «المريسة» بسلا، وسط مدينة المسلمين، لتسكين اليهود فيه بعد نقلهم من «حي الملاح» القديم وسط المدينة بعد انهياره بسبب زلزال ضرب البلاد آنذاك، وضم حي الملاح الجديد آنذاك، حوالي 200 أسرة يهودية،-حوالي 2000 نسمة-، تم تسكينهم في 200 منزل، ووزعت عليهم 20 دكاناً، وانشأ فرنين ومطحنة وحماماً شعبياً واحداَ لخدمة الحي الجديد، ومازال حي الملاح الجديد على حالته حتى الآن، ويشتهر بوجود أفضل الحرفيين في الخياطة وصناعة الحلي والحقائب والأحذية الجلدية، والنقش على النحاس والفضة، وتجار التحف والأنتيكات والمصنوعات اليدوية.

ملاح الصويرة

أما عن حي ملاح الصويرة فيعتبر أقدم الأحياء الموجودة في المغرب بعد حي الملاح بمدينة فاس، الذي تهدم جزء كبير منه ولم يبق سوى القليل من المباني التي تعمل حتى الآن، ويعتبر حي ملاح الصويرة، المركز التجاري الحيوي للمدينة بالكامل حتى الآن، ويقطن به أمهر وأفضل الحرفيين في المنطقة بالكامل، وقد بناه السلطان أحمد المنصور الذهبي عام 1598م، ولأنه اختار لتعميره نخبة من أمهر التجار اليهود أو تجار الملاح بفاس، فقد أنعم عليهم بحماية خاصة منه، ومنحهم أيضاً الدور والمحلات مجاناً، لتنمية وازدهار مدينة الصويرة، وبالفعل تحقق له ما أراد، وازدهرت المدينة في وقت قياسي، وخلال القرن السابع عشر الميلادي وتحديداً عام 1611م، قام السلطان العلوي سيدي محمد بن عبدالله بتوسعة المدينة وضم أربعة أحياء من حي المسلمين إلى حي الملاح بالصويرة، ليتوسع حي الملاح داخل وسط المدينة وأحاطه التجار بأسوار جديدة مازالت باقية حتى الآن.

ملاح مراكش

بسبب عملات الإحلال والتجديد، اختفى جزء كبير من حي الملاح بمدينة مراكش، التي أسسها السعديون في منتصف القرن السادس عشر الميلادي، منح السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي لليهود حياً كاملاً محصناً بجوار قصره في المدينة القديمة بمراكش، وعمل هؤلاء التجار والحرفيون على ازدهار المدينة، وتوسع الحي خلال قرن من الزمان ثلاث مرات، وأصبح حي الملاح بمراكش يحتل أكثر من ثلثي المدينة، لكنه بعد سقوط الدولة السعدية وسيطرة العلويين، رحل أغلب تجار وحرفيي حي الملاح بمراكش نحو عاصمة العلويين الجديدة، في الرباط، وفاس ومكناس، وعاد المسلمون لشراء المنازل والمحال التجارية، وأغلبهم هدم المباني القديمة وبنوا محلها مباني حديثة على الطراز العربي الأندلسي الذي كان منتشراً آنذاك، وتقلص حي الملاح ليصبح الآن حوالي 10 محال تجارية، وقد تهدم الكنس «دار عبادة يهودي»، لكن مكانه مازال محاطاً بسياج ويطلق عليه اسم سكان الحي «ميدان الكنس القديم».               محمد الصغير الجبلي

عن محمد زريزر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *