كلمة الأستاذ عبد اللطيف وهبي وزير العدل خلال المؤتمر الدولي للاستثمار ورهانات التنمية تحت شعار : رؤية دولية وريادة مغربية

-السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛

-السيد وزير الصناعة والتجارة؛

– السيد رئيس النيابة العامة؛

-السيد الامين  العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربي ؛

– السيدوالي جهة الداخلة وادي الذهب؛

– السيد النقيب الأمين  العاملات حاد المحامين العر ب ؛        

– السيد الأمين العام للمحكمة العربية للتحكيم؛

-السيد عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق؛

– حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته؛

-أيها الحضور الكريم.

يشرفني أن أعبر لكم عما أشعر به من سعادة واعتزاز، وأنا أشارككم افتتاح أشغال هذا المؤتمر الدولي للاستثمار ورهانات التنمية، والذي اختارت له الجهات المنظمة شعار : رؤية دولية وريادة مغربية؛

وإن ما يزيدني غبطة وسرورا هو تنظيم هذا الحدث العلمي المهم، برحاب مدينة الداخلة العزيزة على قلوبنا، بما تمثله من عمق تاريخي وبعد استراتيجي في قلب الصحراء المغربية الغالية.

كما أغتنمها فرصة لشكر الجهات المنظمة على الاختيار  الموفق لموضوع المؤتمر، فالاستثمار ورهانات التنمية هو موضوع الساعة عبر العالم، خاصة بعد انصرام أزيد من سنتين متواصلتين في ظل جائحة كورونا التي أرخت بثوبها على الاقتصاد العالمي، وعَـرَّضتْه لموجة من الانكماش انعكست على مؤشرات النمو وأهداف التنمية في جميع بلدان المعمورة، وبالتالي أصبح استرجاع النَّـفَس الاقتصادي بعد أزمة كوفيد 19، رهانا لكل السياسات الحكومية الراهنة، وتحديا يصبو إلى بلوغه المستثمرون وخبراء الاقتصاد على حد سواء.

حضرات السيدات والسادة؛

إن الانفتاح الاقتصادي الذي تنهجه بلادنا منذ فجر الاستقلال،فرض عليها الانخراط في دينامية من التحديث والإصلاحات الجوهرية في مجال تحسين مناخ الأعمال، لمواكبة التطورات والمنافسة على المستوى الدولي، وتيسير ارتقاء بلادنا إلى مصاف الدول الصاعدة.

وفي هذا الصدد، عملت المملكة المغربية على المزاوجة بين تطوير مناخ الأعمال وتيسير حياة المقاولة وتذليل الصعوبات التي قد تعتريها، مع استحضار دور الاستثمار في تحسين ظروف عيش المواطنين وتحقيق التنمية، من خلال توفير فرص الشغل وخلق الثروة وتشجيع المبادرة الخاصة،وهو ما ساهم في تحسين صورة المغرب في مجموعة من التقارير الدولية والارتقاء بتصنيفه فيها.

إن أهمية الاستثمار من الناحية الاقتصادية باعتباره المحرك الأساسي لعملية التنمية، والآلية الفعالة لتحقيق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي، جعل بلادنا تسلُك سياسات عمومية تدعم المقاولة وتُـحفٍّز المبادرة الفردية وفق رؤية استراتيجية مندمجة، لاسيما في ظل تنامي المنافسة الدولية على الأسواق، وظهور أنماط جديدة من الممارسات الاقتصادية من شأنها التأثير على البنيات العامة للاقتصادات الوطنية،وهو ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله في رسالته السامية إلى المشاركين في الدورة الثانية للمؤتمر الدولي للعدالةبمراكش سنة 2019 ، حيث قال جلالته: ”…لقد أكدنا في مناسبات عديدة، على ضرورة وضع رؤية استراتيجية في مجال تحسين مناخ الأعمال. رؤية قوامها توفير بيئة مناسبة للاستثمار، واعتماد منظومة قانونية حديثة ومتكاملة ومندمجة، تجعل من المقاولة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية….”،  انتهى النطق الملكي السامي.

ووعيا من وزارة العدل بهذه المتطلبات، وبأهمية توفير البيئة القانونية الآمنة والعصرية للرفع من قدرة المقاولة -كونها حجر الزاوية للاستثمار القوي-وذلك لمواجهة مختلف أوضاع السوق واكراهات العولمة، فقد انخرطت مبكرا في ورش إصلاح المنظومة القانونية المرتبطة بمجال الأعمال، باعتباره هدفا استراتيجيا من شأنه المساهمة بشكل فعال في الرفع من الجاذبية الاقتصادية للمغرب، وتحسين صورته كبلد داعم للمقاولة المواطنة ومستقطِب للاستثمار الأجنبي.

وتجسيدا لهذه الرؤية، أعدت وزارة العدل بمشاركة فعالة لمجموعة من القطاعات الحكومية في إطار لجنة مناخ الأعمال،القانون رقم 73.17 المتعلق بنسخ وتعويض الكتاب الخامس من مدونة التجارة الخاص بمساطر معالجة صعوبات المقاولة، ويهدف هذا القانون إلى توفير الأدوات القانونية والقضائبة اللازمة للمقاولات التي تعاني من صعوبات اقتصادية أو مالية أو اجتماعية، والتي ستساعدها على  تخطي هذه الأزمة عبر استرجاع قدراتها التنافسية، وتنشيط دورتها الاقتصادية بما يجعلها تضلع بدورها المحوري كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

حضرات السيدات والسادة؛

إن تحقيق الموازنة بين ثنائية الاستثمار والتنمية يتطلب من جهة، تحديث المنظومة القانونية المتعلقة بالأعمال والاستثمار بما يحقق الأمن القانوني، ويعزز الثقة في الحماية القانونية التي توفرها الدولة للمستثمرين؛ ومن جهة أخرى،إحداث محاكم متخصصة في قضايا التجارة والاستثمار، والعمل على تجاوز الإكراهات المرتبطة بصعوبة ولوج المقاولات الصغرى إلى القضاء المتخصص بسبب البعد الجغرافي أو تعقيد المساطر،فضلا عن تكريس مقاربة جديدة تُـخرج القاضي من أدواره الكلاسيكية إلى أخرى ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية، تضمن تحقيق أمن المقاولة وإحقاق السلم الاجتماعي داخلها، عبر إقرار التوازن الموضوعي بين حقوق الأجراء وأرباب العمل.

ولكي يحقق الاستثمار أهدافه الاجتماعية المتمثلة في التنمية والرخاء الاجتماعي،ينبغي دعمه عبر تبسيط مساطره، وتحيين برامج المواكبة الموجهة للمقاولات وتسهيل ولوجها للتمويل والرفع من إنتاجيتها، وتكوين وتأهيل مواردها البشرية، وهو ما يتطلب تطوير جيل جديد من السياسات المتعلقة بتنمية وحماية الاستثمارات، تراعي مستجدات المناخ العالمي للأعمال وتُجاري تقلبات وتطورات الاقتصاد الدولي.

في هذا السياق، عملت وزارة العدل بمجرد صدور القانون رقم 55.19المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية على تنزيل مقتضياته، وذلك بإعداد مشاريع مصنفات القرارات والمساطر الإدارية التي تدخل في اختصاصها، وشملت هذه العملية وضع جرد شامل لأربع وثلاثين (34) مسطرة إدارية متعلقة بمجال الاستثمار، وأخص بالذكر هنا مساطر السجل التجاري، بحيث تمت دراسة ومراجعة وتدوين مكوِّنات المساطر وسندها القانوني، وضبط الوثائق المطلوبة والمتدخلين في المسطرة، وتحديد المصالح المعنية فيما يخص إيداع الطلب أو الوثائق وتسلم الخدمة، ورسوم المسطرة والآجال المعقولة للحصول على الخدمة، وملاءمة المساطر مع سندها القانوني.

حضرات السيدات والسادة؛

إن بلوغ هدف تحقيق ثنائية الاستثمار والتنمية، يستوجب تسخير واستعمال تكنولوجيا المعلوميات والاتصالات لتحقيق التحول الرقمي المنشود في مجال تدبير الشأن العام، ولمسايرة حركية الاقتصاد العالمي المتسارع، ومن هذا المنطلق تعمل الحكومة على تنزيل استراتيجية وطنية للتحول الرقمي، تستند على تكريس مكانة المملكة المغربية كمركز رقمي إقليمي رائد، يتوفر على أفضل البنى التحتية لتكنولوجيا المعلوميات والاتصالات في القارة الإفريقية، وأجود الكفاءات في مجال تكنولوجيا المعلوميات والصناعات الرقمية، والتي تعتبر حاليا أبرز الصناعات الكبرى بالعالم، من حيث إمكانيات النمو التي تُـتيـحها.

وفي هذا الإطار، انكبت وزارة العدل بتنسيق وثيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية و رئاسة النيابة العامة،  على وضع تصور جديد في مجال التحديث والرقمنة، يرتكز على تجاوز المقاربة التجزيئية للمشاريع المعلوماتية، و ذلك من خلال تنزيل مخطط للتحول الرقمي لمنظومة العدالة يروم بلوغ منظومة ميسرة وفعالة، شفافة ومنفتحة، والارتقاء بالمرفق القضائي الحالي إلى مرفق حديث ومتطور يحمي المتقاضين و يضع المرتفقين في صلب مهمته، ويطمح لبلوغ رهان المحكمة الذكية التي تجعل الذكاء الاصطناعي في خدمة الأمن القانوني والقضائي.

 وسيشمل مخطط التحول الرقمي مجموعة من المشاريع والبرامج، التي تهم عدة مجالات أبرزها تسهيل الولوج للعدالة، من خلال تطوير واعتماد منصات إلكترونية لتقديم خدمات قضائية وشبه قضائية وإدارية عن بعد، للمتقاضين و عموم المواطنين والمقاولات والمستثمرين، وهو ما سيمكن من عصرنة عمل منظومة العدالة، وتقوية البنيات التحتية التكنولوجية للمحاكم.

كما تعمل وزارة العدل بتنسيق مع مجموعة من القطاعات الحكومية، على إعداد مشروع المرسوم المتعلق بتحديد كيفيات وإجراءات إحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، تطبيقا لمقتضيات القانون 17_88 المتعلق بإحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، وهي كلها إجراءات تصب في خانة دعم الاستثمار وتشجيع المبادرة وخلق التنمية.

حضرات السيدات والسادة؛

لا يفوتني في هذه الكلمة، التأكيد على أهمية دور الوسائل البديلة لفض المنازعات -إلى جانب القضاء الوطني -في حماية وتشجيع الاستثمار وتوفير بيئة اقتصادية تتسم بالثقة والاستقرار، وحفظ المراكز القانونية للمستثمرين والدولة المضيفة للاستثمار، ودعم حركية رؤوس الأموال، وهو ما يستوجب توحيد آليات ومساطر تسوية منازعات الاستثمار، وإنشاء هيئات متخصصة في فض هذا النوع من النزاعات الدقيقة، وتوحيد الضوابط والقواعد الموضوعية والإجرائية لعملها؛

وفي هذا السياق، ناقشت الشهر الماضي أمام مجلس المستشارين مشروع قانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، والذي تمت المصادقة عليه في جلسة عامة، ويأتي هذا المشروع في سياق استكمال جهود الحكومة لتنزيل النصوص القانونية المرتبطة بمجال الأعمال؛عبر استحضار سياسة اقتصادية متكاملة ومندمجة، تُــوازنُ بين الأسس القانونية المنظمة للاستثمار وبين انتظارات الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، وتُحقِّق الملاءمة بين متطلبات التنمية وبين تشجيع المبادرة الفردية.

حضرات السيدات والسادة

إني على يقين بأن هذا المؤتمر بموضوعه ومحاوره المختلفة، يشكل إضافة نوعية للجهود المبذولة في تطوير قطاع الأعمال وتشجيع الاستثمار، بما يعزز الاقتصاديات الوطنية ويساهم في التنمية الاجتماعية المستدامة، بل وإنني لأجزِم بأن أشغاله ستلقى بالغ الأثر في سياق الجهد المبذول لتطوير المنظومة الاستثمارية والاقتصادية، سواء ببلادنا أو بالبلدان العربية الشقيقة الحاضرة معنا اليوم، كما أن برنامجه الحافل بالجلسات العلمية، سيشكل ملتقى للنقاش الرصين والهادف بين الخبراء القانونيين والاقتصاديين، حول أهم أوجه التقاطع والتكامل بين موضوعي الاستثمار والتنمية وستفضي لتوصيات مهمة من شأنها أن تكون نِبراسا لنا جميعا.

ختاما، وإذ أجدد لكم الشكر على دعوتكم الكريمة، فإني أدعو الله أن يكلل أشغال هذا المؤتمر الهام بالنجاح والتوفيق.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*